الثلاثاء، 1 مايو 2018

"قرش" ميشكا بن ديفيد: مسيرة العودة بداية المستقبل


زاهر أبو حمدة
من حمل قارورة الترياق لخالد مشعل عام 1997، ميشكا بن ديفيد، دخل صدفة الى الموساد. وخرج من العمل الاستخباراتي بمعطيات وتجارب هامة. ولانه يحمل الدكتوراة بالادب العبري، حوّل خبراته الى روايات مشوقة. اصدر خمس روايات، اهمها "دويتو في بيروت": تفاصيلها تجري في العاصمة اللبنانية وتدور حول عميل موساد فشل في عملية اغتيال أحد قادة حزب الله بعدما ظهرت طفلته امام عدسة القناصة. وكانت النتيجة أنه أصبح خارج الموساد، فقرر العميل إنهاء المهمة بمفرده، لكن قائده السابق في الموساد، عقد العزم على منعه، ثم تكتمل الرواية في جو من الصراعات. لكن اهم روايته هي الاخيرة وتحمل اسم "القرش". وتروي في اطار من التشويق والتوقعات مع شيء من الواقع قصة غواصة نووية اسرائيلية (القرش) في البحر المتوسط بقيادة الجنرال يارون غال، المضظر لاخذ قرار استراتيجي لحماية اسرائيل بعد اضطرابات وتظاهرات وحرب على جبهات عدة وانقطاع الاتصال مع القيادة العسكرية. 
تتعمق الرواية بنبؤات مستندة الى حقائق، ومع انها خضعت للرقابة الاسرائيلية الا انها فعلا تمس الامن القومي الاسرائيلي من ناحية الاستشراف المستقبلي واسناده لوقائع تحصل في الوقت الحالي. تبدأ الرواية في الاول من ايار/ مايو 2022، باقتحام وحدة النخبة الفلسطينية "الكومندوز المدجج" المستوطنات في محيط غزة، عبر الانفاق. ويصلون عبر نفق طويل الى النقب ويحررون مستوطنة "كفار عزا". خطة المحررين الفلسطينين تستند الى خلايا (كل خلية من ثلاثة افراد) ويتمكنون من السيطرة على الجغرافيا الفلسطينية في الجنوب. 
وفي الوقت نفسه يعبر الحدود من غزة الاف المتظاهرين عبر حاجز بيت حانون ويحررون مدينة عسقلان، ويقتلعون الحواجز الاسرائيلية حتى ان الجنود الاسرائيليين لا يستطيعون ايقاف الموجات البشرية. يصور الكاتب في احد مشاهد الرواية أن جنديا اسرائيليا يفرغ مخازن بندقيته وجعبته بالمتظاهرين حتى يصلون اليه ويقتلوه دعساً بالاقدام مع زملائه. وفي مشهد اخر، تتكثف صرخات النجدة الى "الشاباك"، وجهاز الامن نفسه لا يسيطر على الجماهير الفلسطينية المتدفقة من غزة والضفة اضافة الى تظاهرات كبرى في الناصرة وحيفا. ويصبح اصطياد عناصر الشاباك سهلا من قبل المتظاهرين وسط ارباك في القيادة الاسرائيلية. 
هذا كله يحصل وسط تقدم كبير لقوات النخبة في حزب الله من الجبهة الشمالية، مع امطار الخريطة الفلسطينية بالصواريخ من ثلاث جبهات (لبنان، سوريا، وغزة). انه سيناريو مرعب تحققه حتمية تاريخية في اقليم لا يُعرف مصيره، لا سيما وان بن ديفيد، يشير لانسحاب الولايات المتحدة من المنطقة وعدم تتدخلها بتاتا في هذه الحرب المفترضة، في مقابل دخول روسيا بحرب شاملة ضد اسرائيل بعد قصف الطائرات الاسرائيلية مراكز روسية في سوريا.
لعل مسيرة العودة الكبرى هي البداية، وتصدق توقعات بن ديفيد. وتكمن خطورة هذه الرواية المشوقة الى أنها تحمل في طياتها رسائل داخلية ومحاولة الاجابة على سؤال يزعج مفكري الاحتلال: هل ستبقى اسرائيل؟. ولأن ديفيد بن غوريون قالها يوما: اسرائيل تزول عندما يخسر الجيش اول معركة؛ يمكن تصديق هذه النبؤات. ولأن المفكر العبقري عبد الوهاب المسيري، أكدها قبل رحيله: اسرائيل تنتهي حين تُسحب عنها الشرعية الدولية وتفتقد للدعم الاميركي والغربي؛ تصبح هذه الرواية كابوساً يجب دراسته فلسطينيا قبل أي شيء.

ميشكا بن ديفيد: ولد عام 1952 في فلسطين المحتلة. عُين في الموساد إثر إعلان نشر في صحيفة إسرائيلية، في وقت كان يحضر الدكتوراة في الأدب العبري. اشترك خلال 12 عاما، في عمليات خاصة في أوروبا والشرق الأوسط كعميل لـ"الموساد"، ولعب دورا رئيسيا في إنقاذ حياة قائد حماس خالد مشعل بعد محاولة اغتيال فاشلة بالسم في حقبة التسعينات من القرن الماضي.

الأربعاء، 18 أبريل 2018

مشكلة محمود عباس!



اصدرت حركة فتح بياناً، جمعت فيه اسم الشهيدين خليل الوزير وعبد العزيز الرنتيسي. تتعلق مناسبة البيان بذكرى استشهاد الرمزين المؤثرين في تاريخ الحركة النضالية الفلسطينية، لكن جرأة فتح بذلك فلسطينية المبدأ، وهذا يحسب لها. في المقابل، لن تجد بيانا لحماس يشيد بشهيد فتحاوي او غير حمساوي. هذه اشكالية في منطق اقصاء الاخرين واحتكار الحقيقة والشهادة. هذه المشكلة منوطة بمحمود عباس، فهو القائد الاعلى لفتح وبالتأكيد اطلع على البيان وربما هو من أشار باصداره في هذا الوقت من عمر الانقسام الفلسطيني. فشخص أبو مازن تعرض للشتم والاهانة وتمزيق واحراق صوره كما حصل مع ياسر عرفات. من المستغرب، أن من داسوا صور ابو عمار، يقولون اليوم إنهم "يسيرون على نهج الشهيد ياسر عرفات". نوع من الانفصام بفهم المراحل السياسية، لكنه وحده لم يتعرض لهذا النوع من الانفصام النفسي او السياسي. هو في أتم الوضوح منذ انتمائه للثورة الفلسطينية؛ ثوري السلوك ولو لم يحمل مسدساً كما قال مرة، لكنه المسؤول الاول عن تمويل عمليات الجناح العسكري لفتح في عملياته كافة. وهو المسؤول عن ربط الخلايا السرية لفتح في شرق اوروبا والاتحاد السوفياتي، وهو من مد جسور العلاقات مع الدول والاحزاب العالمية الداعمة للثورة الفلسطينية بالسلاح والتدريب. وليس معيبا ً القول إنه فاتح العلاقات مع واشنطن ايضاً والعواصم الاوربية الكبرى، وإنه وراء فتح مكاتب تمثيلية لمنظمة التحرير ومن ثم سفارات لدولة فلسطين في أكثر من 120 دولة في العالم. لم يتغير الثائر المغامر، لكنه عرف نقاط الضعف والقوة في المنظومة الدولية فاستخدم اوراقه لنيل الحقوق الفلسطينية تحت مسمى، يحبه المثقفون، "البراغماتية السياسية" علماً أن عباس ليس براغماتياً في الأصول إنما في الفروع. فهو من قال لاميركا بترامبها وأوبامها وبوشها، "لا" غير مرة حين مسوا بالثوابت وحاولوا قطع الخطوط الحمراء الفلسطينية. ليس خفياً على احد برنامج عباس، السياسي والاقتصادي والاجتماعي. تسلم الضفة المحتلة مدمرة، فأعاد اعمارها واعتمد "المقاومة الشعبية السلمية" اسلوبا جديداً في النضال؛ فأضحى خائناً بنظر من عادوا وقلدوه. مشكلة عباس، أنه ليس دموياً مع الاعداء والخصوم. لا يريد اهدار الدم الفلسطيني مع الاحتلال وكذلك بعد احداث عزة عام 2007. وهذه فلسفة خاصة في التعاطي وليس ضعفاً. في العادة يمكن لولي الامر أن يكون متهوراً فيعطي اوامراً يمكن فيها ازهاق ارواح من أنصاره لفرض سياسية معينة. لكن عباس لم يأمر بذلك، محافظاً على النسيج المجتمعي الفلسطيني ولانه يعرف نقاط ضعف الاحتلال ويعرف أن القبرة لم تقتل الفيل بالمواجهة المباشرة انما بفقأ عينيه بمقاطعته الاقتصادية والدبلومسية ونزع الشرعية عنه. وهو لم يسقط المقاومة العسكرية كما يدعي البعض، ودستور حركة فتح المعدل في المؤتمر العام السادس ثبت الكفاح المسلح نهجاً أيضاً. لكن المرحلة هذه لا تطلب "العسكرتاريا" انما التحضير وتراكم الانجازات على الاصعدة كافة.
مشكلة عباس، أنه لا يلعب على حبال المحاور الاقليمية مثلما يفعل من يريد الحصول على النفوذ. ومرة سألني مسؤول اقليمي: كيف أبو مازن مع عبد ربه منصور هادي في اليمن ومع بشار الاسد في سوريا؟ الاجابة كانت: ابو مازن ليس مع احد، انما مع الشرعية. فهادي والاسد شرعيان وفقا للامم المتحدة. لم يورط شعبه في الاعيب ومخططات اكبر من طاقته، لكنه مع وحدة الاراضي العربية والحوار الداخلي ويمكن ان يساعد بذلك، لكنه لا يتأمر مع جهة ضد اخرى.
مشكلة عباس، مع شعبه أنه لا يهتم كثيرا لـ"سيكولوجية الجماهير". فالقائد يحتاج الى الكذب في مرات كثيرة لتبرير موقف او تمرير خطة. اما عباس، صادق لدرجة أنه أعلن مشروعه السياسي بالتفصيل من دون أي مواربة أو تزييف او عمليات تجميل سياسية. يمكنك معارضة هذا المشروع لكن لا يمكن لأي جهة لا تملك مشروعاً أن تنتقد المشروع المقابل من أجل المناكفة السياسية فقط. ليقدم الجميع مشروعهم السياسي والشعب وحده يقرر على اساس الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير.
مشكلة محمود عباس، أنه خلف ياسر عرفات. من الصعب لأي شخص أن يملأ مكانة عرفات مهما كانت قدراته. أبو عمار تسيد المشهد الفلسطيني لاربعة عقود متواصلة وصنع تاريخ فلسطين الحديث والتصق اسمه بالقضية وتناسقت كوفيته مع هوية شعب بأكمله. ولم يحتكم ابو مازن الى شعارات عرفات الرنانة المستقطبة للجماهير، فالثائر لديه طقوس الثورة بايدلوجيتها وخطاباتها، انما عباس رجل دولة يحتكم الى المؤسسات والقانون وليس الى الأبوية الرمزية والشعبوية في القيادة. مرحلة عباس، فرضت عليه رسم خط بياني في التعاطي مع محيطه الداخلي والخارجي وفقا للمصلحة العامة ومفهوم "الصحيح والأصح". فالمسؤول يلجأ عادة لقرارات خاطئة لكسب المزيد من الجماهيرية. يمكن أن يلتف على القانون ليكسب ولاء شخوص او جماعات، لكن عباس، لم يفعل.
مشكلة عباس، أنه لا يفاخر بانجازاته ويظهرها للعلن. لكن الناس تلمس ذلك برفع الظلم عن الكثيرين وتغير منطق الحياة عندنا كشعب وليس كأفراد. هو صاحب نظرية "بالعلم والولد نحرر البلد"، فاصبح لدينا المدرسة الاولى والمعلم الاول والصندوق الاول لتعليم الطلاب مجانا. في عهده تحاسب المفسدون في المؤسسات، ولم يعد "مكافحة الفساد" شعارا انما تطبيقاً. في عهده رفع علمنا لاول مرة في الامم المتحدة، وكسبنا تأييد أكثر من 180 دولة واصبحنا عضواً في الجمعية العامة واليونيسكو. عرف كيف يحول الضغوط السياسية الى فرص، ولم يرهن قراره لظرف ما انما لثوابت لا تحتاج اثباتات، وقضية الاسرى ورواتبهم ورفض القرارات الاميركية الاسرائيلية خير برهان. تحت قيادته، تغير القطاع الصحي والرياضي والثقافي والاعلامي، وفي هذه المجالات الاثباتات كثيرة ومتعددة، تحتاج لمقالات تشرح ذلك.
مشكلة عباس، أنه مشكلة لمن يريد تصفية القضية الفلسطينية فيخطط للاطاحة به. وسيناريو عرفات، يتكرر بمشاركة ابناء جلدته بذلك. فمن كره عرفات، وتأمر عليه شوه صورته لدرجة النيل من عرضه واتهامه بأنه يهودي، ومن ثم بكاه ولعله يندم ولا يعيد تصوير المشهد نفسه مع عباس.

زاهر أبو حمدة

x

الثلاثاء، 16 أغسطس 2016

زوال إسرائيل: الحصان ليس وحيداً (1)
اعداد: زاهر أبو حمدة



المحارب لا بد أن يعود. المحَبط لا يمكن أن يقود. الضعيف يستحيل عليه أن يسود. قواعد المعركة هي نفسها لم تتغير. الحرب هي ذاتها منذ قرن وأكثر.
مصطلح "النكبة" (اخترعه المفكر قسطنيطن زريق) المُخفف لما حصل عام 1948، يجوز على وصف حال الفلسطينيين كل عام ومعهم العرب. الكل منكوب. الكل مسكوب بوجعه المؤقت، الا الفلسطينيين وجعهم مستمر ويستمر. شعب منذ وعد بلفور عام 1917 وهو يقدم كل يوم شهيد، أسير، جريح، لاجئ.. الحل لهذا الشعب في مشكلته وهي أنه صبور أكثر مما يجب. يصبر على الاحتلال. يصبر على قيادته. يصبر على الصبر، حتى يمل الصبر منه. لكن هناك أمل يشق الطريق ويفتح ثغرة في الجدار. الشبان المنتفضون قمة الأمل. محكومون بالاستمرارية والتضحية. يحكامون جميع الفصائل. يحكمون بحكمتهم الارض الفلسطينية، فأي واحد منهم يمكنه حظر التجوال في تل ابيب او القدس او النقب. يؤمنون بالبقاء على ارضهم ولاجلها. يؤمنون بزوال اسرائيل، بثبوت الادلة او بنفيها. وان كان المفكر عبد الوهاب المسيري، حدد سابقاً في كتابه "اليهود واليهودية والصهيونية" عشر علامات لزوال اسرائيل، فالمؤشرات تتزايد. العلامات العشر وفقاً للمسيري: تآكل المنظومة المجتمعية للدولة العبرية. الفشل في تغيير السياسات الحاكمة. زيادة عدد النازحين لخارج إسرائيل. انهيار نظرية الإجماع الوطني. فشل تحديد ماهية الدولة اليهودية. عدم اليقين من المستقبل. العزوف عن الحياة العسكرية. عدم القضاء على السكان الأصليين. تحول إسرائيل إلى عبء على الإستراتيجية الأميركية. استمرار المقاومة.
هذه العلامات نفصلها في الجزء الثاني، يضاف اليها علامات اخرى كثيرة كالمسألة الديمغرافية. فالفلسطينيون يتساوون العام المقبل مع اليهود في الارض الفلسطينية التاريخية وبعد عام 2020 يصبح عدد الفلسطينيين أكثر من عدد اليهود. كذلك تقدم القائمة العربية في انتخابات الكنيست الأخيرة مؤشر سياسي هام. من المرجح في الانتخابات المقبلة ان تحدد هذه القائمة من سيكون رئيس الوزراء الإسرائيلي. المهم بعد 68 عاماً أن الخوف الدائم من استمرار إسرائيل ككيان سياسي، متواصل. الاصرار لا يزال متوارثاً في الجينات الفلسطينية. سأل أحد الصحافيين، الرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بريز، في الذكرى الـ60 للنكبة: هل ستبقى إسرائيل 60 عاما أخرى؟ فرد عليه: "اسألني هل ستبقى 10 سنوات مقبلة؟. إنه الرعب من المستقبل. يقابله الحصان الفلسطيني الصابر المؤنس للبيت. هكذا اراده محمود درويش في ملحمته:
لماذا تركت الحصان وحيداً يا أبي؟
لكي يؤنس البيت يا ولدي، فالبيوت تموت إذا غاب سكانها.
حين سأل الابن والده في رحله التيه الى المنفى، كان رد الأب مستشرفاً الغد ولو بعد عقود. الحصان لم يعد وحيداً. السكان يتكاثرون ويكثرون أدوات المقاومة. البيت لا زال موجوداً ولو تقسم بين غزة وضفة وأراضي تاريخية. وان كان لكل فارس كبوة، فالفلسطينيون كبواتهم كثيرة لكنها بدأت تنتهي، وبدأت نهاية إسرائيل.



زوال إسرائيل: الحصان ليس وحيداً (2(

 

حاصر الإغريق طروادة عشرة أعوام. لم يستطيعوا الدخول إليها فبنى إبيوس حصاناً خشبياً ضخماً أجوف. اختبأ المحاربون وقائدهم أوديسيوس داخله. أما بقية الجيش فتظاهرت بالرحيل لكنها تخفّت وراء الهِضاب. هكذا أوهم المحاصِرون المحاصَرين أنهم أنهوا الحصار. عليه أرسلوا "الحصان الفخ" إلى الطرواديين على أنه عربون سلام ومحبّة. أقنع الجاسوس الإغريقي سينون قيادة طروادة بقبول الهدية على الرغم من تحذيرات داخل إدارة الحكم الطروادي. أمَرَ الملك بإدخال الموت إلى المدينة. واحتفل الجميع بالانتصار وفك الحصار وقبل مطلع الفجر أصبح الجميع سُكارى حيارى. دقّت ساعة الصفر وخرج المتسلّلون من مخبئهم وفتحوا الأبواب لبقية الجيش وسقطت طروادة. لكن الشعب الفلسطيني لن يسقط. الحصار الإسرائيلي منتهي الصلاحية وبدأ الحصار المعاكس. أرسل الفلسطينيون حصانهم إلى حصون إسرائيل يحمل الحقيقة أولاً.
المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في فلسطين يواجه الانهيار خلال عشرين عاماً. إسرائيل ستزول عن الخارطة السياسية للشرق الأوسط خلال هذه المدّة. هذه خلاصة دراسة أعدّها مركز "الدراسات الاستراتيجية والتقنية الروسي المستقل" في موسكو. تستنتج الدراسة أن إسرائيل ستصبح ذكرى لرفض الفلسطينيين والعرب لها ولاعتمادها على القوّة العسكرية فقط وفقدانها الدعم الدولي. المسألة العسكرية ستكون موضوع الجزء الثالث لكن ماذا عن الداخل والمحيط والشرعية الدولية؟
كلام الدراسة الروسيّة يؤكّده المؤرّخ البريطاني أرنولد توينبي، فهو يقول: إنه "على الرغم من سيطرة إسرائيل على أراضٍ عربية كثيرة في عام 1967 فإنها لن تعيش طويلاً لأنها مجتمع شاذّ ودولة غريبة ترفضها الأرض والشعوب حولها. إسرائيل ترفض نفسها وتشجّع العرب والعالم على أن يتّحدوا ضدّها اليوم أو غداً حتى يلفظوها، فإذا انقرضت فلن يكون العرب هم مَن فعلوا ذلك ولكنّها إسرائيل نفسها".
مصير إسرائيل يشبه مصير الممالك اللاتينية التي أقامها الصليبيون إبّان احتلالهم لفلسطين. وهي نفسها الممالك الصليبية المتواجدة سابقاً في بلاد الشام. كل هذه الممالك كان مصيرها مرهوناً برغبة أوروبا في إبقائها ضمن الحفاظ على مشروعها الاستعماري. ومهمّة بقائها تحتاج إلى إمداد بشري ومادي. تلك الممالك انهارت وانتهت بعدما تجاهلتها أوروبا ولم تعد تهتم بها وانشغلت بشؤونها الداخلية. السيناريو التاريخي ينسحب بحذافيره على مصير إسرائيل. هي لا تستطيع البقاء من دون الدعم الغربي والأميركي.
ارتبطت نشأة إسرائيل بالاستعمار العالمي. نتج من الثورة الصناعية الأوروبية فائض سلعة وفائض بشري. كان الاتجاه إلى حل هذه المشكلة عن طريق الاستعمار الاستيطاني وأكثر أنواعه خطورة هو الاحتلالي كما في الولايات المتحدة وإسرائيل وهو يفوق خطورة الاستعمار الاندماجي أو ذلك المبني على التفرقة اللونية. ضمن هذا الإطار تم حل مسألة يهود أوروبا. ونظراً إلى طابع إسرائيل الاحتلالي كان خيارها العنف والشراسة مع المقاومة العربية وهو ما طرح مفهوم الجدار الحديدي الذي طوّره آرئيل شارون إلى الفولاذي. تعتمد نظرية الجدار الحديدي على هزائم مُكلفة تؤدّي إلى تحوّلات لدى الخصوم من متطرّفين عنيدين إلى معتدلين على استعداد للمساومة بهدف تحويل الصراع الوجودي بين إسرائيل والعرب إلى "سلام قائم" على التوافق وليس العدل. وهنا ظهر مصطلح "صهينة اليهودية" وهو استغلال المفاهيم الدينية وإفراغها من مضمونها الأخلاقي والروحي واستخدامها في تعبئة الجماهير خلف صفوفها، وهو ما يُطبّق في التداخل بين القومي والديني في "عيد الاستقلال". لكن خلال الأعوام العشرة المقبلة تصبح هذه التركيبة الدينية السياسية فارغة المضمون ولن تُقنع أحداً لا سيما مع ظهور داعش والنظريات اللادينية. بالتالي ستعاني إسرائيل من انخفاض أسهمها الدولية لا سيما في الشارع العالمي.
تغيّرت الدبلوماسية الإسرائيلية لا سيما مع استمرار حكم بنيامين نتنياهو ويظهر ذلك في كتابه "إسرائيل والعالم". هو يؤكّد رفض السلام مع العرب والفلسطينيين وكذلك يضع نفسه نداً للولايات المتحدة الأميركية، اختلف مع جون كيري. فضحه على الهواء مباشرة أثناء العدوان الأخير على غزّة. وكذلك اختلف مع أوباما ونشرت الصحافة التصريحات بينهما لا سيما بعد دعم نتنياهو ميت ترومني في وجه أوباما في الانتخابات الرئاسية. ومهما عملت منظمة "إيباك" في الولايات المتحدة إلا أن اهتمام السياسة الأميركية في الشرق الأوسط يبتعد رويداً رويداً لا سيما بعد اكتشاف النفط الصخري. كان آرئيل شارون حين يلتقي أي مسؤول أميركي يقول له: "إسرائيل أرخص حاملة طائرات في العالم". وهذا صحيح فالولايات المتحدة تعتبر إسرائيل قاعدة عسكرية أميركية لها في قلب الوطن العربي، لكن اليوم يمكن الاستغناء عنها لا سيما بعد كثرة القواعد العسكرية الأميركية في الاقليم. يُضاف إلى الخلاف مع الأميركيين الغضب الأوروبي من إسرائيل لا سيما بموضوع بناء المستوطنات. والقرار الأوروبي الأخير بمقاطعة بضائع المستوطنات خسرت إسرائيل من خلاله 30 مليار دولار وتصريحات أوروبية كثيرة اتهمت إسرائيل بقتل الفلسطينيين وإنها تتحمّل مسؤولية توقّف عملية المفاوضات. وأكثر من ذلك اتّهمت وزيرة الخارجية السويدية مارغوت وولستروم إسرائيل بأنها وراء تفجيرات باريس التي تبنّاها داعش.
خسرت إسرائيل الرأي العام العالمي خلال العدوان على غزّة، الصحافة العالمية هاجمت إسرائيل حتى وصلت إلى مرحلة استهزاء جون ستيورات بما تفعله إسرائيل. وبناء على الرأي العالمي كان الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة وعملية نزع الشرعية عن إسرائيل بدأت، والصورة أصبحت على أنها دولة أبارتهايد.
إسرائيل ليست طروادة ولا داعي أن يُدخل الفلسطينيون حصانهم إلى داخلها للقضاء عليها. حصان إسرائيل الخشبي منها وفيها. حسب تقديرات إسرائيلية رسمية يتواجد خارج إسرائيل حالياً حوالى 800 ألف يهودي من حَمَلَة الجنسية الإسرائيلية. أكثر من 500 ألف إسرائيلي يحملون جنسية أميركية أو أوروبية ويمكنهم مغادرة إسرائيل في أي وقت ويلتحقون بمليون إسرائيلي هاجروا فلسطين منذ عام 2000. أدّت الانتفاضة الثانية إلى تقلّص أعداد المهاجرين اليهود وهو ما يقوّض الادعاءات الإسرائيلية حول الأمن ما خلق "دياسبورا جديدة". استخدم اليهود في التعبير عن الهجرة إلى إسرائيل تعبير او مصطلح "عالياه" ويعني الصعود إلى السماء بدلاً من "هجيراه" ويُدلّل على الهجرة. وهم فعلوا ذلك ليحيطوا عملية الاستيطان الاستعماري بهالات من القداسة الدينية. لكن الوضع تغيّر فإن المتقدّمين للحصول على "الجرين كارد" في الولايات المتحدة من كل الأوساط ومن أعمار متنوّعة كثيرة. كان للعنصر الأمني دور أساسي في ذلك إلى جانب أن المستوطنات أصبحت أكثر إفقاراً وهو ما يعبّر عن انشغال مرضي بالأمن على الرغم من أن الشعب الفلسطيني تحت الحِصار والميزان العسكري لصالح إسرائيل غير أن كل ذلك لم يستطع أن يقضي على اليقين الإسرائيلي من أن الأرض ليست أرضهم.
الوضع المجتمعي الإسرائيلي هزيل ويتفكّك بسرعة قياسية. قام التشكيل الاجتماعي لإسرائيل منذ تأسيسها على تعدّدية إثنية نادرة. هُجّر مئات الألوف من بقاع الأرض بثقافاتهم وأعراقهم المختلفة ولم يجمع بينهم سوى الدين، وتشكّل المجتمع في أرض تملكها أعراق أخرى بل واتباع ديانات أخرى غير اليهودية. تسبّب ذلك بزيادة التعدّد والتنوّع الاثني والديني في المجتمع. وينقسم المجتمع في إسرائيل أفقياً وعمودياً بدرجة مُثيرة. يتشكّل عمودياً من عرقين أساسيين: "السفارديم" وهم اليهود الشرقيون ويشكّلون أكثر من 60% من اليهود في المجتمع، و"الأشكناز" أي اليهود الغربيون ويشكّلون حوالى 40% من اليهود. ثمة تناقضات كبيرة بين هاتين الفئتين على وجه التحديد تتعلّق بالتاريخ والتوجّهات السياسية والفكرية بل والطائفية الدينية. ينقسم المجتمع أفقياً على أسس متعدّدة: يتشكّل من حوالى 15% من المسلمين، و2% من المسيحيين، فيما يشكّل اليهود 79% من المجتمع. أما نسبة الفئات العلمانية 75-80%، والمتديّنة بنسبة 20-25%. يشكّل الفلسطينيون داخل المجتمع الإسرائيلي حوالى 20,8%، أما المهاجرون اليهود فيشكّلون 79%. والفئة الأضعف أي "الفلاشا" وهم المهاجرون من أثيوبيا نسبتهم لا تتجاوز الـ1,3%. ويتوزّع هذا التنوّع الاثني والديني على أحزاب سياسية ودينية وطائفية مختلفة تزيد على 15 حزباً رئيسياً.
وينقسم المجتمع في إسرائيل بتراكيبه المختلفة عمودياً في النظام السياسي إلى اتجاهات يسارية ويمينية في المحصّلة. ولا ينفي ذلك بالطبع وجود التوجّهات الوسطية أو غير ذلك، غير أن الصفة السائدة والمؤثّرة في النظام السياسي هي التشدّد حالياً لا سيما بعد سيطرة "الحريديم" (المتديّنون) على نسبة كبيرة من صناعة القرار في الحكومة والتوسّع الاستيطاني.
تشعر الأعراق والطوائف في إسرائيل بالظلم. الفلسطينيون (العرب) المسلمون والمسيحيون يتعرّضون لاضطهاد واضح. محاولات عديدة لاستبعادهم من الحياة السياسية الإسرائيلية والزجّ بهم في خانة أعداء الدولة، وعدم اعتبار مصالحهم ومستقبل أبنائهم في أنظمة إدارة الدولة المتعلّقة بالتعليم والخدمات الصحيّة والبلدية وغيرها. كما لا يتمتّع هؤلاء على الرغم من انتماء عدد منهم للأحزاب الإسرائيلية الرئيسة بالمناصب العُليا إلا ما ندر ويُستبعدون عادة من المنصب الوزاري. ويُطلب منهم الخروج من اجتماعات لجنة الأمن والخارجية في الكنيست عندما يجري الحديث عن العرب الفلسطينيين في الأراضي المُحتلّة عام 1967. في المقابل يشعر اليهود الشرقيون (السفارديم) بسيادة العنصر الغربي (الأشكناز) على مقاليد الحكم. يسيطر اليهود الغربيون على أكثر من 70% من المناصب العليا في الدولة، فيما يحظى اليهود الشرقيون فقط بما لا يزيد عن 30% منها. كما أن المتديّنين يشعرون باستهتار العلمانيين المسيطرين على مقاليد الحكم بالدين والشعائر الدينية. ولا يقبل هؤلاء تدخّل النظام القضائي في وقف أو منع بعض ممارساتهم الدينية، فيما ينظر العلمانيون بخطورة كبيرة إلى تزايد نفوذ المتديّنين في المجتمع ما يؤثّر على تقدّم وتطوّر الدولة. الطرفان تواجها في الشارع أكثر من مرّة، ما يعني أن المواجهة مستمرّة وتحمل مفاجآت، لا سيما وأن التغيّرات في الأحزاب والتوجّهات تصل إلى 200% خلال العقدين الأخيرين وفقاً لمركز "دراسات جامعة تل أبيب".
الأكذوبة: شعب بلا أرض لشعب بلا أرض تم فضحها. الشعب الفلسطيني لا يزال في أرضه وأعداد كبيرة من اليهود أتت إلى فلسطين وغادرت. الفكرة الدينية تم نسفها حتى أن فئات من اليهود تطلق على الزواج المُختلط باعتباره أحد عوامل الاندماج في المجتمعات الأخرى تعبير "الهولوكوست الصامت". إنه الخوف من الاندماج مع شعوب وثقافات أخرى. الخوف مبرّر لأنه يفكّك الدولة العبرية من داخل مجتمعها، حتى أن التفكّك السياسي واضح أيضاً من خلال الانشقاقات العديدة في الأحزاب. ويعزّز من عوامل التآكل الداخلي تزايد معدّلات الشذوذ والزواج بين الرجال وانتشار المخدّرات والفساد الإداري حتى طال رؤساء الوزراء وقادة في الجيش.
أما الوضع النفسي للمواطنين الإسرائيليين فخطير جداً لدرجة أن الحكومة خصّصت أطباء نفسيين بصورة مجانيّة لمن يودّ ذلك. فالخوف يتسيّد النفوس الإسرائيلية لا سيما بعد العدوان الأخير على غزّة واندلاع الانتفاضة الثالثة. وبعيداً عن الرابط الأمني بالنفسي، لم تعد إسرائيل ذلك الملاذ الآمن اقتصادياً واجتماعياً، فمع انتشار التمييز انتشر الفقر ليصل إلى نسبة 32% وكذلك البطالة التي وصلت إلى 35%.
المستوى الدبلوماسي والسياسي يهبط إسرائيلياً يقابله صعود فلسطيني. المستوى المجتمعي والاقتصادي والنفسي الإسرائيلي ينحدر جداً يواجهه تمسّك فلسطيني بالأرض والدفاع عنها. هكذا يصعد الحصان الفلسطيني الأصيل كل المنحدرات والحصان الخشبي الإسرائيلي يتكّسر في فؤوس وسكاكيين الفلسطينيين.

 

زوال إسرائيل: الحصان ليس وحيداً (3(

 

التافهون للتافهات. الصادقات للصادقين. العاهرون للعاهرات. الطيبات للطيبين. المجرمون للمجرمات. الجميع يجتمع في فلسطين. البعض استثناء. قوانين الارض طُبقت في فلسطين: عدالة السماء، انتقام العاطفة، ثأر العدالة، الارض مقابل السلام، الموت مقابل الحياة، الطعام لأجل الاستمرار، الحصار لهزيمة الانتصار..

الجميع يجتمع في فلسطين، لكنهم متشابهون. نحن متخاصمون: لا يوحدنا حزب او دين، نحن اسلاميون، مسيحيون، ملحدون، يساريون، علمانيون، تقدميون، رجعيون.. نحن ننقض ما يجمعنا، وهم تناقضهم يجمعهم. انها المصلحة بوجه ديني دنيوي. المعادلة الان: مجتمع ضد مجتمع. فلسطينيون غير امنيين ضد مجتمع امني.
 لكن نظرية الامن الاسرائيلية انتهت الى غير رجعة. اسرائيل ليست "بعبع"، والفلسطينيون يلقحون أطفالهم ضد الخوف. لا يمكن لأي مسؤول اسرائيلي ان يقول لطفل فلسطيني: أعلى ما في خيلك اركبه. 
الخيّالة الفلسطينيون يتكاثرون ويكثرون من جمع اسلحتهم البدائية وهي الاساس في هزيمة الأسلحة المتطورة
التفوق العسكري الاسرائيلي لا يعني شيئاً. هل تواجهة طائرة اف 35 عبوة تزرع في ارض فلسطينية محتلة؟ هل توقف "عربة الرب" (الميركافا) شاباً يحمل سكين؟ كيف يمنع 115 رأساً نووياً اسرائيلياً (بحسب موقع والا) تسلل استشهادي؟ الحصان الفلسطيني يعد العدة ويستعد للمواجهة الكبرى. البداية استنهاض الجمهور، والاقتناع أن العدو يخشاك أكثر مما تخشاه. الوهم الاسرائيلي يتبدد، الجرف الصلب يتكسر، السور الواقي ليس واقياً... 
لذلك ماذا لو تحول الفلسطيني من الدفاع الى الهجوم؟ السؤال بسيط جداً، أجاب عليه ديفيد بن غوريون قبل عقود: اسرائيل يبدأ زوالها حين يخسر جيشها أول معركة. بن غوريون المؤسس ليس منجماً او ضارباً للودع انما يعرف قيمة الجيش بالسيطرة وبسط النفوذ وارهاب الخصم نفسياً وميدانياً. منذ حصار بيروت عام 1982 واسرائيل تتراجع. تنفذ عداوناً على لبنان او اجتياحاً للضفة وتنازل اهل غزة. لكنها تلقت ضربات موجعة جداً بدأ بانسحاب جيش ايهود باراك، من لبنان وهزيمة شارون في انتفاضة الاقصى عام 2000. صفعت المقاومة جيش ايهود اولمرت، عام 2006. وغاص بنيامين نتنياهو، في رمال غزة ثلاث مرات، والمرة الرابعة تقترب
أساساً اسرائيل ككيان أمني تلقى هزيمته العسكرية حين لم يستطع طرد كل الفلسطينيين من ارضهم التاريخية. وتتابعت الهزائم مع انطلاق الثورة الفلسطينية والعمليات الفدائية الكثيرة والمتعددة، الى معركة الكرامة عام 1968 وما تبعها من مواجهات وحرب رمضان عام 1973. الانتصار الكامل الشامل هو مجموعة عوامل وخبرات تتراكم حتى ساعة الصفر. ليس كل ما يخطط له الاسرائيليون ينجح. وليس ما كل ينفذه المقاومون يفشل. 
لم تنجح القبة الحديدية والفولاذية بوقف الصواريخ الفلسطينية واللبنانية. لم تفلح كل الاجراءات الامنية الاسرائيلية من عرقلة عمل الخلايا النائمة والفاعلة من التوغل الى العمق الاسرائيلي. 
بناء الجدران على الحدود مع مصر، غزة، الضفة، لبنان، والاردن لا يحمي الاسرائيليين من الصواريخ والعمليات. ان الحرب المقبلة المتخيلة، ستكون معركة المفاجأت، فلن يقتصر الامر على عمليات من مسافة صفر، او صورايخ بعيدة المدى، او ضفادع بشرية، انما ستكون معركة حامية الوطيس، لا سيما ان تقاطعت نيران غزة مع الجولان وجنوب لبنان. بالفعل انتهى عصر الجيوش. لا داعي للجيوش العربية. انها حرب المجموعات ضد الجموع. مجموعات صغيرة مقاومة ضد الجموع والحشود العسكرية الاسرائيلية
رئيس أركان جيش الاحتلال السابق، بيني غانتس، قال خلال خطابه في مؤتمر هرتسليا للحصانة القومية، إنه "على الرغم من انهيار الجيوش من حول إسرائيل، إلا أن التحديات الأمنية زادت، وأن حزب الله أصبح قوة عسكرية هائلة، لا توجد في العالم سوى سبع إلى ثمان دول أقوى منها، إذ لديه صواريخ تستطيع أن تغطي كل مساحة إسرائيل". اذا المعركة ستكون صاروخية في المقام الاول، وربما تتحول الطائرات من دون طيار الى طائرات انتحارية هجومية مع مفاجأت تشمل اسقاط طائرات اسرائيلية وتحرير أراضي كثيرة.
ان الاسرائيليين يعرفون تماماً، حجم القوة في الحدود غير المقتصرة على الخنادق والصواريخ، لذلك اعتمدوا الحصار اللامحدود في فلسطين والتضييق الاستخباراتي والمالي بمساعدة الولايات المتحدة. ويضاف الى الامور العسكرية واللوجستية، امر في غاية الاهمية وهي حرب السايبر. فالحرب الالكترونية سيكون لها دور فعال قبل اي مواجهة وخلالها وهذا ما حصل في اكثر من مناسبة. واستطاع المقاومون ان يخترقوا الاجهزة الاسرائيلية الالكترونية الهامة ومنها وزارة الامن والحصول على معلومات سرية. لكن في المقام الاول نصف الحرب هو الحرب النفسية والاعلامية.

أي نوع من الاسلحة لن يكون بمقدوره حسم الصراع إذا فقد الجيش رغبته في القتال .وهذا ما يحصل مع الجيش الاسرائيلي فالمؤشرات تدلل على أن الجيش لم يعد مستعدا للقتال. انتشر الفساد في الجيش ولم الولاء كما كان سابقاً. أعداد الرافضين للخدمة العسكرية في الأراضي الفلسطينية ترتفع ومحاولات عديدة من الآباء تهريب أبنائهم خارج فلسطين للتملص من الخدمة العسكرية. حسب احصائيات اسرائيلية فإن نحو 20 الى 25% من الشباب اليهودي ينصرف عن الخدمة العسكرية ويهربون اثناء الخدمة وثلث الضباط الاحتياط يتغيبون حين يتم استداءهم. ظاهرة الفرار من الخدمة العسكرية تعد خطيرة في أي مجتمع لكنها تزداد خطورة في مجتمع استيطاني أمني قائم على الحروب الدفاعية والاستباقية.

اعتاد الحصان الفلسطيني خوض المعارك غير المتكافئة عسكرياً، لكنه كان يثبت حضوره ولا يولي الدبر هارباً. وكم من معركة في التاريخ كانت الجيوش المجهزة بالسلاح والعتاد تُهزم امام ارادة وخطة وخدعة. هذا حصل في التاريخ العربي وحصل في التاريخ الحديث. لا يهم جياد العدو. المهم اصحاب الحصان أن يكونوا على قدر قوة صهيله.

 




الثلاثاء، 2 أغسطس 2016

الصرصور والسفير

زاهر أبو حمدة/ وسط الغابة/ 12 مارس 2016



فرق شاسع بين الخطأ والجريمة. ارتكاب الذنب من دون تعمّد يمكن غفرانه. الجريمة متعدّدة الأركان، مُثبتة الأدلة والوقائع تصعب المسامحة فيها. يمكن نسيانها. الاعتراف سيّد الادلة. الصور فقط للصحافة والأرشيف.  صاحب "الفراعين" يفتخر بلقائه السفير الإسرائيلي. هكذا ارتكب توفيق عكاشة جريمة القتل العُمد لمشاعر الملايين.في صوفيا جريمة بحق الدبلوماسية الفلسطينية. اغتيال عمر نايف مُتوقّع. موقف السفير أحمد المذبوح غير مُتوقّع. خطأ أُضيف الى جريمة ليس سهلاً على شعب اغتيل قادته أن يغفر خطأ سفير. ليس صعباً على شعب يرفض التطبيع نسيان لقاء سفير العدو.حدثان ارتبطا عميقاً بسفيرين المفترض أنهما عدوان. جريمتان في حضرة السفيرين. الأولى: سياسية تطبيعية. الثانية: جنائية غير طبيعية. ليست المشكلة أساساً باللقاء. الإشكالية هي بطريقة التفكير. أن يُطبع بعض المصريين الرسميين، الاقتصاديين، الفنانيين، أو الرياضيين يعني أن الدولة تريد ذلك. الدولة ليست مصر. الرأي العام لا يعني كل مصر. الشعب هو الأصل وصاحب الفعل وردة الفعل. مجلس النواب يمثّل الشعب. صورة مُصغّرة للعمال والفلاحين للأحياء والشهداء، للجنود عند الحدود ومن هم خارج الحدود، للمتعلمين والأميين... لذلك وقف كمال أحمد منفذاً حكم غالبية الشعب فضرب "العكش" بحذاء وضعه عكاشة مرة على طاولته مهدداً به لضرب الفلسطينيين.أن يتنصّل المذبوح من ذبح فلسطيني في سفارة هو مديرها يبرّر تهرّب وزير الخارجية رياض المالكي ومعه السلطة الفلسطينية من المسؤولية. تشكيل لجنة تحقيق تكشف الحقيقة إن استطاعت أمر مفيد. لكن لجنة سابقة تم تشكيلها لمعرفة حقيقة اغتيال مؤسّس حلم الدولة ياسر عرفات لم تكشف خيطاً بعد 12 عاماً من الجريمة. صحيح أن ملابسات الاغتيال غير واضحة بينما الواضح أن الموساد وراء ذلك. لكن ما هي آلية التنفيذ؟ بعد شهرين من استضافة نايف في مبنى السفارة، اخترق الصرصور من تحت عتبة الباب. تسلّل واضعاً للضحية السُم أو حقنها بمحلول معين، أو .... التخمينات كثيرة والفرضيات تتكاثر مع كل تصريح أو معلومة لكن من هو الصرصور؟استخدم الصرصور قرون استشعاره. يمكن ان يكون من داخل السفارة أو عميلاً خارجياً جنّده الموساد. لكن السفير يعرف التفاصيل فهو من قال لعمر بحسب شقيقه إن "اسرائيل ستقتلك بالسُم". قضي الأمر: النايف شهيداً.لا يمتلك الصرصور قلباً. لله في خلقه شؤون. يمتلك أنابيب ضاغطة تحرّك الدورة الدموية بكلا الاتجاهين. لذلك لا يعرف الصرصور التعب أو ضعف اللياقة. يُمكن أن يتحدث لساعات طويلة. حركته سريعة ومتسرعة. يتكيف فوراً مع محيطه والوضع السائد. يخرج في فترة الصمت مصرصراً مفتشاً عن الغذاء. العجيب أن رموش الإنسان النائم أو الميت طعامه المفضل. هذا كله يجعله يُطبع مع اعدائه أو يقتل عدو أعدائه فقط لنيل مصلحته.لقاء عكاشة مع السفير الإسرائيلي حاييم كورين تم بمعرفة السلطات العليا. هدفه استطلاع رأي الشارع أو حرق "العكش" شعبياً. لذلك خرج يفضح ما تيسّر له من أسرار. أما قتل نايف لا يُعرف تماماً إن كان بمعرفة المقاطعة لكن الأكيد أن الخيوط يمكن كشفها. الأُمنيات ألا يكون فلسطينياً متورطاً بذلك. وفي الحالتين كان للشعب رد على الجريمتين. لو كان الرد عاطفياً أو إعلامياً في النهاية يكون الرد واقعياً. الرد على عكاشة كان من أهل قريته حين نبذوه. الرد على جريمة نايف كان بوئام الفلسطينين حول القضية واحتمالية الرد عسكرياً. الرد على الصرصور لا يكون فقط بالدعس وهذه ربما تعتبر جريمة. يمكن أن يكون بفصل رأسه عن جسده. من عجائب الصرصور أنه يعيش أسبوعاً من دون رأس. والصرصور بطبعه يخاف الناس فماذا لو طبع أو قتل؟ ما أجمله من رد أن يبقى مع من يخشاهم بلا رأس أو إحساس وهنا يمكنه أن يصادق السفير أو يختبئ في السفارة.

لعبة الخيارات في المستنقع اللبناني: "جيم أوفر" للضفادع

زاهر أبو حمدة/ وسط الغابة/ 15 فبراير 2016


لم يعد مقبولاً في لبنان أن تكون حيادياً. انتهت الخيارات: إما مع السعودية أو ضدها. انتهت لعبة الغموض: أما في "محور الشر" أو في حضن "مملكة الخير". المملكة قالت لكل المتواريين والزئباقيين: جيم أوفر. وحده تيار ميشال عون، يحاول الرقص على حبال رضا المملكة والجمهورية الإسلامية. منفرداً سليمان فرنجية يصادق بشّار الأسد، ولم يقل يوماً كلمة ضد السعودية ودورها. 
القرار السعودي في الملف الرئاسي أساسي لذلك الجميع يهمه رأي الرياض إلا "حزب الله". رفع السيّد حسن نصرالله سيفه الخطابي بوجه الإدارة السعودية الجديدة. صعدة تعادل عيترون وصنعاء في مقام الضاحية الجنوبية. المنامة توازي بنت جبيل ودمشق تقارن بكل لبنان. أما تيار المستقبل فتزايد أطراف فيه على بعضها في غرام المملكة. الطاعة واجبة مستجابة هي الأساس في بناء أي متراس داخلي. 
يفتش رافعو راية "لواء العروبة" عن الإجماع العربي. لكن أين الإجماع اللبناني؟ الهم الوحيد حالياً ألا يغضب الملك. غضبه صعب وليس سهلاً تعديل مزاجه. دُفنت الوسطية عليك أن تقرّر فوراً: أنت عربي أم فارسي؟. تجد سياسياً مثل عبد الرحيم مراد قومي عربي منذ جمال عبد الناصر نسي فجأة أن السعودية حطّمت المشروع الناصري، وارتمى عند أبوابها علها فتحت له باب السرايا الحكومي. كُثر هم من تنازلوا أمام خيارهم الوحيد ليخسروا بعد ذلك. 
أن تحاول ربح كل شيء تخسر في النهاية كل شيء. إنه المستنقع: إما الغوص فيه أو القوقعة عند ضفافه. عند المستنقع اصطفت الضفادع. النعيق استوطن صدى المكان كلمة واحدة يردّدها الجميع: الاعتذار. فريق يعتذر للسعودية وفريق آخر يطالبها بالاعتذار. ساسة لبنان يعرفون مصلحتهم ومستعدّون لتقديم الفروض كي يبقوا في مناصبهم. 
لكن مسألة علاقة لبنان بالسعودية فيها نوع من السيكولوجية الغريبة. غالبية اللبنانيين يظنون أنهم أرقى وأفهم من السعوديين هم المتعلّمون المعلّمون، أما بنظرهم السعودية عبارة عن نخلة في صحراء يجلس تحتها راعي الابل. في المقابل، ينظر السعودي إلى اللبناني على أنه متسول للأمن والأمان للمال والجاه وللفرصة واغتنامها. صَّور الإعلام السعودي اللبنانيين أنهم يعرفون بالاتيكيت والموضة والفن. يمتازون بتطلعهم للغرب ولغاتهم الأجنبية، لكن إبن الصحراء يعرف نظرة اللبناني إليه. يعرف أن في الأمر استغلالاً، هكذا يظهر في مسلسل "سيلفي" لناصر القصبي. 
المسلسل متعدد الحلقات والمواضيع عُرض في شهر رمضان الماضي في إحدى الحلقات إشارة فاضحة إلى مهندس لبناني مُتهم بالسرقة والتأخّر في تسليم المشاريع، ويدور حوار مقنّع جداً يصف علاقة السعودي باللبناني والعكس. لم يعد الأمر خفيّاً على أحد. أصبح السعودي يعرف تماماً ماذا يريد. والآن يريد الرد على إيران بكل الطرق والوسائل. كل الاعتذارات لن تنفع إلا إذا أتت التسوية الكبرى ولبنان من ضمنها. ساسة لبنان ينعقون اعتذاراتهم للسعودية ولغيرها ولم يعتذر أحد للشعب. أليس أولى للسياسيين الطائفيين المذهبيين والحكومة الاعتذار لمن يدفع الضرائب، فمياه المستنقع مليئة بالنفايات ومع ذلك هناك دعوة لانتخابات بلدية. لم يستطع أحد حل هذه المشكلة كما الكهرباء والمياه والكسارات.. لكن المشكلة أصلاً بغالبية الشعب المخدّر بالطائفية والمذهبية والعنصرية ورفض الآخر.
لن يستطع أحد في لبنان تفسير إن كانت توقفت فعلاً المساعدات السعودية عن الجمهورية الفاقدة للرئيس أو أنها فقط جُمّدت لفترة معينة. هل فعلاً ستقُدم الرياض على خطوات قاتلة أكثر؟ ليس الآن. أن تسحب ملايينها من البنك المركزي وتطرد اللبنانيين من الخليج أو وقف رحلات الطيران وتوقف الاستيراد والتصدير، أو حتى قطع كل العلاقات مع لبنان هو للضغط الإعلامي والسياسي لا غير. وعند تنفيذها سيكون أيضاً لرفع منسوب التصعيد والضغط. إن كان المطلوب هو الاعتذار فرئيس الحكومة اعتذر أم أن المطلوب أمر آخر. الضغط المطلوب سيولّد انفجاراً ليكن في لبنان يخفّف الضغط قليلاً في سوريا واليمن.
"حزب الله" هو رأس الحربة عند كسره يُكسر الرمح الإيراني. لكن ماذا عن الضفادع في هذا المستنقع؟ تبقى تنعق لطلب الرضا وهي تعلم أن المستنقع لن يجفّ في الوقت القريب. لأن الإقليم كله تحوّل إلى مستنقع شرب دماء كثيرة ولا يزال يطلب المزيد.


الاثنين، 28 سبتمبر 2015

الفلسطيني الضعيف مرفوض..

يحدثني مستشار الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات، بسام ابو شريف، كيف تزوج في سبعينيات القرن الماضي من مسيحية تنتمي الى عائلة خوري في المتن. قال إن اهلها لم يوافقوا اولاً وإن عرفات حزن لانه لم يقدم له بطاقة دعوة ليفتح المتن سياسيا ويكون خير استغلال؛ ان فلسطيني تزوج في عقر دار الانعزالية اللبنانية. كان الفلسطيني قوياً فتزوج الشهيد علي حسن سلامة ملكة جمال الكون جورجينا رزق، وهكذا فعل عضو اللجنة التنفذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صلاح الدباغ حين تزوج من درزية في جبل لبنان. القوة هي الاساس، فالدين ليس عائقاً بتاتاً لكن النفوذ هو الاساس. تزوج الفلسطينيون من لبنانيات من مختلف الطوائف لانهم كانوا أقوياء والكل يريد نسبهم ليقوى بهم. وبالتالي، هكذا حصل في الاردن حين تواجدت القوات الفلسطينية هناك. لنعترف ان السماء تنحني للأقوياء فقط. والقوة هنا ليست فقط عسكرية انما ربما تكون مالية، هذا ما حصل مع احد مستشاري الرئيس الراحل رفيق الحريري حين زوج ابنته لملياردير فلسطيني وهو من يُنظر لعداوة الفلسطينين، وهكذا فعل احد مشايخ الدروز الذي لم يهتم للمذهب الديني. الاساس هو الوفرة المالية. ينساق هذا الى ان الفارق الديني كذبة لا اكثر، فالدين للفقراء المحتاجين. فمن استطاع يقول كلمة من مشايخ الدروز لوليد جنبلاط حين تزوج سورية سنية او حين تزوج نجله تيمور شيعية بقاعية من عشيرة كبرى.
ان القوة هي مفتاح العقول والقلوب. المال يفتح الابواب عند السلطات والطوائف. التاجر لا يسأل عن جنسية او مذهب انما عن الربح المالي فقط.

وحين ضعف الفلسطيني استقوت عليه الامم. هذا ما جعل اللبنانيون يُحقرون الفلسطيني ولو اجتماعيا بعيدا عن السياسة وهذا ما حصل في الاردن وسوريا. اما في الداخل الفلسطيني استقوى الاحتلال حين تساهل وتهاون الفلسطيني بحقوقة وقوته. ألم يأتي اسحاق رابين صاغراً الى اوسلو. ألم يأتي شارون مصفر الوجه ومع وزير امنه شاؤول مفاز الى مخيم جنين حين سطر صموده الاسطوري. وبالنسبة لغزة، ألم يحرك الاسرائيلي دبلوماسيته ليفاوض حماس والمقاومة خلال الحروب الثلاثة وحين وقع جلعاد شاليط في الاسر. الفلسطيني الضعيف يُداس؛ اما القوي فيرحب به ويضعه الجميع على رأس القوم. انها معادلة البقاء، لذلك يقترن البقاء فقط بالقوة لا أكثر.

الأحد، 27 سبتمبر 2015

نسر وقمة اخرى

كنسر يفارق قمته، ودعها.. وكانت قمة اخرى بانتظاره عند مفترق الغيم، حينها ندم على وقت غامض قضاه في القمة التافهة الاولى... وصل الى قمته الشاهقة، متئبطاً بذكرى وبعض الأوراق. تصفح ما كان يقرأ ويكتب عند مبيته اليومي تحت منزلها الجبلي؛ فتلمس بعض السطور:
كم كنتُ في الحبِّ بعضاً منكِ مولاتي، وصار بعضُكِ بعضا من تفاهاتي..
ها قد وضَعْتِ لما عشناهُ خاتمةً، وما أزالُ كما لو في بداياتي
وماتزال تدور الأرضُ فوق يدي، وتشرقُ الشمسُ صُبحاً في صباحاتي
ولستُ ابكي كما خَمَّنْتِ هاجرتي.. ولستُ أُشعلُ بالشكوى عذاباتي
ولم أَصِرْ بائساً بعد الفراقِ.. ولا تغيرتْ بانصرام الوصْلِ عاداتي
لم أشربِ السُّمَّ كالعشاق منتحراً.. ولا طردتُ من الدنيا حبيباتي
ولا تَطَرَّفْتُ بعد الهجر مُلتحياً، ولستُ أُخفي بطولِ الذقنِ زلَّاتي
إذا ظننتِ لهيبَ الهجرِ يحرقني، ضدَّ الحرائقِ لو جَربْتِ غاباتي
إني النَّسِيُّ الذي ينسى حماقتهُ.. أليس حبُّكِ بعضاً من حماقاتي
قلبي وإنْ صار مشروخاً، به جهةٌ للقادماتِ سبايا في فتوحاتي
لستُ الذي استسلمتْ يأساً عساكرُهُ.. أو رفرفتْ مرةً بيضاءَ راياتي
ما أَوْقفَ الهجْرُ بأسي، كيف يوقفني؟.. لا شيءَ يوقِفُ إن حاربتُ غاراتي
أُغِيرُ على النحلِ الجميلِ وإنْ غارتْ عليَّ ومن نحلي فراشاتي
إذا اعتقدتِ خسرتُ الحربَ منهزماً... إنِّي أرى النصرَ في أقسى خساراتي..


أشعل سيجارة، وأحرق كل الكلمات.. وقال في نفسه: إنها لا تستحق حرفاً يكتب أو يُقرأ عنها.. كره ماضيه، وابتسم للرياح المقبلة اليه بخطى الغرام. ابتكر لنفسه تاريخاً مزيفاً، وعند سؤاله عن القمة السابقة التي مر بها، اجاب: لا اذكر بتاتاً ان تلك الطريق سلكتها او عرفتها يوماً.. 

الجمعة، 26 ديسمبر 2014

حبيبها "الداعشي"

ماذا تودين أن تشربي، ما رأيك بنبيذ أحمر وسط هذا البرد الشديد؟ كان أول ما نطق به حين جلس مع حبيبته في أحد مطاعم بيروت.
أجابت: "أريد شاي أخضر". وكان لها ما أرادت، وطلب لمعدته كأس نبيذ.
وفي ظل الهدوء الرومانسي، مر طفل سوري يعتاش من بيع العلكة. استنفد المشهد الحبيبين، كل بطريقته.
الحبيب: "مش حرام هالولد بهذا البرد؟".
الحبيبة: "خليهم يعملوا ثورة ويطالبوا بالحرية، الأسد كان يؤمن لهم ما يريدون".
اخترقت نظرته عيناها، وهو يدعي العلمانية قولاً وفعلاً، معلناً الحرب: هذا سببه الثورة أم البراميل المتفجرة.
جهزت أسلحتها، وردت بصواريخ كلامية أولها: لا حبيبي "داعش".
قاطعها: هل "داعش" المسؤول عن تهجير 6 ملايين سوري؟
أكملت: لولا ارهابهم ما كان هناك "داعش"، والإرهاب هو ما أوصلهم إلى هنا.
تابع: لن أسرد لك الاتهامات بوقوف النظام السوري وراء ولادة "داعش"، لكن هل هذا الطفل يعرف ثورة وحرية؟ ومن استخدم السلاح بوجه المتظاهرين، وعسكر التظاهرات؟
ردّت: هم إرهابيون، ومن أوصل لهم السلاح، وأنت مثلهم، ولو أنك لست "داعشياً" مثلهم، لا تدافع عنهم. أخرج "الدعدوش الّي جواتك".
فوجئ: "أنا ضد عسكرة الثورة، بس لكل فعل ردة فعل. وأكيد ضد التدخلات الخارجية، بس كيف طلع معك إني مع داعش؟.
أنذهلت: "لو انك ضد داعش ما بتدافع عن الدواعش، انتو بس بدكو تسقطوا الأسد لأنو مش من طائفتك".
جن جنونه: "لعلمك أنا كنت مع اسقاط بن علي ومبارك والقذافي وهؤلاء سنة وضد داعش أيضاً، ومع خلع كل ظالم من طنجة حتى جاكرتا على رأي صاحبنا".
انفعلت: "صحيح انت ديمقراطي على ناس وناس، وجماعة الخليج يعلموا دروس بالديمقراطية، وهالشي واضح بالانتخابات السنوية الشفافة والنزيهة، وارسال الدواعش".
طلب كأس نبيذ آخر: "الخليج وغيرهم لا يُعرّفون أنفسهم أنهم جمهوريات حتى يعملوا انتخابات رئاسية، وبكل تأكيد أنا مع ثورة البحرين، ولو هناك ثورة حقيقية في أي مكان سأكون معها. وهل هناك معلومات أنهم يرسلون متطرفين، ربما، لكن حبايبك جابوا من الهند وباكستان مقاتلين وأكيد ما تنسي صاحبك الّي حدّنا".
رفعت حاجبها ومررت يدها على شعرها: "المعلومات ما في أكثر منها، بس انت بتحب البغدادي صاحبك، ومن يقطعون الرؤوس والنفوس".
هز كأسه: "صحيح أنا مع البغدادي، والعلامة أني أشرب الخمر.. وأجلس مع حبيبتي في وضح النهار، أنا داعشي بـِحبك، قومي لنمشي وخليكي بالقوقعة الطائفية".
ولم يعرف حتى الآن إن افترقا أم لا يزالان يتناقشان في المستقبل مع "داعش" أم من دونه. ولم يُعرف من دفع حساب المطعم، لكن على الأرجح أنه دفع هو: النساء يتذكرن أن الرجال قوامون عليهن في هذه المسألة فقط.


نتنياهو يستطلع بالقوة انتفاضة فلسطينية: "العين بالعين" يربك الحسابات

زاهر أبو حمدة
2014-11-26 

أنهى بنيامين نتنياهو محادثة "عاصفة" مع الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الذي طلب أن يعود رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى المفاوضات، وأن يتراجع عن قرار بناء المستوطنات في القدس. كان هذا قبل ثلاثة أسابيع، بحسب صحيفة "معاريف" المقربة من حزب "الليكود" اليميني برئاسة نتنياهو.
ونقلت الصحيفة، عن مسؤولين إسرائيليين، أن نتنياهو أبلغ عدداً قليلاً من المسؤولين حوله بأن أوباما يعتزم التخلي عن دولة الاحتلال، وتركها تواجه وحدها قراراً محتملاً من مجلس الأمن الدولي بمنع الاستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967.
تحولت العلاقة الأميركية ــ الإسرائيلية إلى خلاف يسبق الطلاق، فالزواج الأبدي أضحى قائماً على المصلحة لا أكثر، ويمكن فضه عند الضرورة القصوى. إنها المعركة الدبلوماسية الخارجية الصعبة، فالراعي الرسمي يتخلى عن وكيله في لحظات صعبة يُعدّ فيها وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، خطة للعودة للمفاوضات، فيما الفلسطينيون يصرون على التوجه إلى مجلس الأمن.
وهذا يؤكد أن الميزانية الأمنية ستصل العام المقبل إلى 57 مليار شيقل، يضاف إليها 89 مليار شيقل كفوائد على الديون المستحقة على إسرائيل، ليبلغ إجمالي الموازنة ككل نحو 417 مليار شيقل (112.5 مليار دولار). ويبدو أن إسرائيل ستدفع ثمن الحرب على غزة حتى العام المقبل، بحسب الخبير الاقتصادي الإسرائيلي، رفيت هيخت، في مقال نشر في صحيفة "هآرتس"، تعقيباً على نسبة العجز المستهدف، مشيراً إلى أنه لم يكن ليصل إلى هذا الحد لولا القرار الخاطئ من القيادة العسكرية.
وترى رئيسة حزب "ميرتس"، زهافا غلاؤون، أن "الحكومة صدّقت على ميزانية كاذبة، لأنها تدرك مسبقاً أنها لن تستطيع الالتزام بها. والنتيجة ستكون أن النفقات المدنية ستواصل التقلص، والعائلات الفتية ستواصل الانهيار تحت العبء الاقتصادي". إذاً التظاهرات ستعود إلى ميادين تل أبيب، وستسقط الحكومة في نهاية المطاف.
ترك نتنياهو، الصحيفة وغادر منزله متوجهاً إلى مكتبه، وفي الطريق استمع إلى "الإذاعة الإسرائيلية"، تذيع تصريحاً لمسؤول رفيع في الحكومة، لم تذكر اسمه، يشير إلى أن الحل هو في الانتخابات المبكرة في بداية عام 2015، أما فكرة الائتلاف البديل فليست جدية، مشيراً إلى أن قرار البناء في القدس الأخير الذي اتخذه نتنياهو، ليس خطوة غير محسوبة بل هو خطوة سياسية مخطط لها.
وصل إلى مكتبه، فوجد تقريراً فيه عدد الدول في العالم، التي اعترفت بفلسطين دولة وعاصمتها القدس، لا سيما الدول الأوروبية. وعرج على تقرير اقتصادي حكومي يؤكد خسارة إسرائيل 20 مليار دولار جراء مقاطعة دولٍ أوروبية لبضائع المستوطنات. ثم اطلع على تقرير أمني آخر يبشره بأن إسرائيل حاليا ليست على رأس الأولويات السياسية لإدارة أوباما في ظل الحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، وأزمة أوكرانيا والملف النووي الإيراني. فلا بد من استغلال الوضع الدولي القائم للتهرب من الاستحقاقات الدولية والمحلية.
لا بد وأن نتنياهو بدأ يستشعر أن عمره السياسي قد شارف على الانتهاء تحت وطأة العجز الاقتصادي ولا مبالاة إدارة أوباما والتهديدات الفلسطينية وإصراره على عدم التنازل في المفاوضات مع الفلسطينيين. لذلك لا بأس إن استطلع بالقوة في القدس، عبر استفزاز الفلسطينيين، بالمقدسات، وليس المسجد الأقصى وحده مقدساً عند الفلسطينيين. فسرّع عملية التهويد وشراء بيوت المقدسيين بطرق التفافية، وأطلق العنان لجنون المستوطنين المتطرفين في قطع أشجار الزيتون في موسم الحصاد وتعنيف الأطفال وقتلهم، كما حدث مع محمد أبو خضير وبهاء بدر، إضافة إلى رفع نسبة الاعتقالات في القدس والضفة.
حاول نتنياهو استباق المتشددين إلى المربع الخطير. ظهرت أمامه صورة رئيس الوزراء المعتزل إيهود باراك عام 2000، حين فشل في "كامب ديفيد" وتوقفت المفاوضات مع الراحل، ياسر عرفات، فقرر أرئيل شارون، عامداً متعمداً، مخططاً، زيارة المسجد الأقصى فاندلعت الانتفاضة المسلحة حينها. وبعدها هزم شارون باراك بالانتخابات الاستثنائية وأصبح رئيساً للوزراء عام 2001. هذه العملية ربما تتكرر مع نتنياهو والمتشددين خصوصاً مع زعيم "البيت اليهودي"، نفتالي بينيت، لذلك يريد قيادة الموجة التحريضية والإمساك بزمام الأمور على الأرض.
يدرك الفلسطينيون أن عسكرة المواجهات مع الاحتلال تساعد نتنياهو على الخروج من أزمته. فاستخدموا الحجارة وهو سلاحهم الأزلي في مواجهة الاحتلال. ويُعتبر رشق الحجارة هواية فلسطينية يتوارثها الفلسطينيون بالجينات، فأصدر الاحتلال قراراً بتغريم راشق الحجارة بأكثر من 500 شيقل مع إمكانية السجن لسنوات طويلة. لم تنفع قرارات الاحتلال كلها ومن ضمنها هدم منازل المتظاهرين، فاعتمد الشبان الألعاب النارية سلاحاً حارقاً مع زجاجات "المولوتوف"، مما دفع الاحتلال إلى بيع الألعاب النارية، لكنه أيضاً فشل. فتش الفلسطينيون في أرشيفهم، فوجدوا خليل أبو علبة، شاهداً على ابتكار فعال. فهو مؤسس عمليات "الدهس" عام 2001، في بلدة يازور شرق حيفا، وخلفت عمليته ثمانية قتلى و21 مصاباً، غالبيتهم من الجنود الإسرائيليين.
هذا التنظيم لم يربك الإسرائيليين فقط، إنما خلط أوراق الفصائل الفلسطينية، فراحت تتسابق لنعي هذا الشهيد وتتبنى تلك العملية، إلى درجة أن غالبية الفصائل اعتمدت في كشوفاتها، الشهيد عبد الرحمن الشلودي، الذي دهس مستوطنين قبل أسبوعين في القدس قبل أن تقتله شرطة الاحتلال.
لن تتوقف العمليات الفردية، فبعد الطعن، الدهس، والحجارة، والألعاب النارية، ستظهر أنواع أخرى في ردة الفعل الفلسطينية، فربما يجد المستوطنون غداً كنيساً أو محال تجارية قد شبت فيها الحرائق، أو بئر مياه قد دُس فيه السم. وستنتقل العمليات إلى المحظور وقتل سياسيين من الطرفين والاعتداء على أطفال المدارس، ويصبح أي مكان يجمع فلسطينيين ومستوطنين مكاناً للمواجهة، ومباراة كرة القدم الأخيرة بين "اتحاد أبناء سخنين" و"بيتار القدس" بداية لا أكثر. والأهم أنها ستتمدد إلى مناطق الخط الأخضر وقرى ومدن الضفة. هذا يبدو حتمياً في سيناريو "العين بالعين"، والمرجح أن تنتقل ردة الفعل إلى بلدان أوروبية وعالمية، عبر اشتباكات فردية أيضاً أو أعمال تستهدف السفارات والدبلوماسيين.