الثلاثاء، 2 أغسطس 2016

لعبة الخيارات في المستنقع اللبناني: "جيم أوفر" للضفادع

زاهر أبو حمدة/ وسط الغابة/ 15 فبراير 2016


لم يعد مقبولاً في لبنان أن تكون حيادياً. انتهت الخيارات: إما مع السعودية أو ضدها. انتهت لعبة الغموض: أما في "محور الشر" أو في حضن "مملكة الخير". المملكة قالت لكل المتواريين والزئباقيين: جيم أوفر. وحده تيار ميشال عون، يحاول الرقص على حبال رضا المملكة والجمهورية الإسلامية. منفرداً سليمان فرنجية يصادق بشّار الأسد، ولم يقل يوماً كلمة ضد السعودية ودورها. 
القرار السعودي في الملف الرئاسي أساسي لذلك الجميع يهمه رأي الرياض إلا "حزب الله". رفع السيّد حسن نصرالله سيفه الخطابي بوجه الإدارة السعودية الجديدة. صعدة تعادل عيترون وصنعاء في مقام الضاحية الجنوبية. المنامة توازي بنت جبيل ودمشق تقارن بكل لبنان. أما تيار المستقبل فتزايد أطراف فيه على بعضها في غرام المملكة. الطاعة واجبة مستجابة هي الأساس في بناء أي متراس داخلي. 
يفتش رافعو راية "لواء العروبة" عن الإجماع العربي. لكن أين الإجماع اللبناني؟ الهم الوحيد حالياً ألا يغضب الملك. غضبه صعب وليس سهلاً تعديل مزاجه. دُفنت الوسطية عليك أن تقرّر فوراً: أنت عربي أم فارسي؟. تجد سياسياً مثل عبد الرحيم مراد قومي عربي منذ جمال عبد الناصر نسي فجأة أن السعودية حطّمت المشروع الناصري، وارتمى عند أبوابها علها فتحت له باب السرايا الحكومي. كُثر هم من تنازلوا أمام خيارهم الوحيد ليخسروا بعد ذلك. 
أن تحاول ربح كل شيء تخسر في النهاية كل شيء. إنه المستنقع: إما الغوص فيه أو القوقعة عند ضفافه. عند المستنقع اصطفت الضفادع. النعيق استوطن صدى المكان كلمة واحدة يردّدها الجميع: الاعتذار. فريق يعتذر للسعودية وفريق آخر يطالبها بالاعتذار. ساسة لبنان يعرفون مصلحتهم ومستعدّون لتقديم الفروض كي يبقوا في مناصبهم. 
لكن مسألة علاقة لبنان بالسعودية فيها نوع من السيكولوجية الغريبة. غالبية اللبنانيين يظنون أنهم أرقى وأفهم من السعوديين هم المتعلّمون المعلّمون، أما بنظرهم السعودية عبارة عن نخلة في صحراء يجلس تحتها راعي الابل. في المقابل، ينظر السعودي إلى اللبناني على أنه متسول للأمن والأمان للمال والجاه وللفرصة واغتنامها. صَّور الإعلام السعودي اللبنانيين أنهم يعرفون بالاتيكيت والموضة والفن. يمتازون بتطلعهم للغرب ولغاتهم الأجنبية، لكن إبن الصحراء يعرف نظرة اللبناني إليه. يعرف أن في الأمر استغلالاً، هكذا يظهر في مسلسل "سيلفي" لناصر القصبي. 
المسلسل متعدد الحلقات والمواضيع عُرض في شهر رمضان الماضي في إحدى الحلقات إشارة فاضحة إلى مهندس لبناني مُتهم بالسرقة والتأخّر في تسليم المشاريع، ويدور حوار مقنّع جداً يصف علاقة السعودي باللبناني والعكس. لم يعد الأمر خفيّاً على أحد. أصبح السعودي يعرف تماماً ماذا يريد. والآن يريد الرد على إيران بكل الطرق والوسائل. كل الاعتذارات لن تنفع إلا إذا أتت التسوية الكبرى ولبنان من ضمنها. ساسة لبنان ينعقون اعتذاراتهم للسعودية ولغيرها ولم يعتذر أحد للشعب. أليس أولى للسياسيين الطائفيين المذهبيين والحكومة الاعتذار لمن يدفع الضرائب، فمياه المستنقع مليئة بالنفايات ومع ذلك هناك دعوة لانتخابات بلدية. لم يستطع أحد حل هذه المشكلة كما الكهرباء والمياه والكسارات.. لكن المشكلة أصلاً بغالبية الشعب المخدّر بالطائفية والمذهبية والعنصرية ورفض الآخر.
لن يستطع أحد في لبنان تفسير إن كانت توقفت فعلاً المساعدات السعودية عن الجمهورية الفاقدة للرئيس أو أنها فقط جُمّدت لفترة معينة. هل فعلاً ستقُدم الرياض على خطوات قاتلة أكثر؟ ليس الآن. أن تسحب ملايينها من البنك المركزي وتطرد اللبنانيين من الخليج أو وقف رحلات الطيران وتوقف الاستيراد والتصدير، أو حتى قطع كل العلاقات مع لبنان هو للضغط الإعلامي والسياسي لا غير. وعند تنفيذها سيكون أيضاً لرفع منسوب التصعيد والضغط. إن كان المطلوب هو الاعتذار فرئيس الحكومة اعتذر أم أن المطلوب أمر آخر. الضغط المطلوب سيولّد انفجاراً ليكن في لبنان يخفّف الضغط قليلاً في سوريا واليمن.
"حزب الله" هو رأس الحربة عند كسره يُكسر الرمح الإيراني. لكن ماذا عن الضفادع في هذا المستنقع؟ تبقى تنعق لطلب الرضا وهي تعلم أن المستنقع لن يجفّ في الوقت القريب. لأن الإقليم كله تحوّل إلى مستنقع شرب دماء كثيرة ولا يزال يطلب المزيد.


هناك 3 تعليقات:

  1. كتاب السيرة الداتية حقا هو من أول الأمور التى يجب أن يبدأ بها الباحث عن سيرة ذاتية احترافية فهو يحتوى على شرح مبسط جدا لكافة جوانب السيرة الذاتية المتكاملة وكافة جوانبها

    ردحذف